رائعة يوسف القعيد: الحرب في بر مصر

منذ أن جئنا إلى الدنيا والعمدة ابن عمدة، ومن نسل عمدة، أما نحن فقد خلقنا لكي ننكفئ على الفأس العمر كله، ونموت والقدم مغروس في الطين والظهر قد تقوس من كثرة الانحناء. العمر كله انحناء

هي قصة قديمة قدم الدهر في مصر: قصة عن غياب العدالة الاجتماعية وانحياز الدولة للنخبة. قصة عن معاناة المهمشين تحت وطأة الفقر والقهر وتخلي الجميع عنهم

أسعدني الحظ بالتعرف على الكاتب الرائع يوسف القعيد منذ سنوات، وذلك حينما قمنا بدعوته لمناقشة رواية له بعنوان قطار الصعيد. عرفته رجلاً متواضعاً، واسع الاطلاع، دمث الخلق. بالأمس، انتهيت من قراءة رائعته “الحرب في بر مصر” والمدرجة في المركز الرابع ضمن قائمة أفضل مائة رواية عربية. تدور أحداث الرواية في عام ثلاثة وسبعين، وتمثل صفعة على وجه نظام سمح باستشراء الفساد، فخسر معركة الداخل، وتفرغ للاحتفال بنصر أكتوبر الذي لم يكن ممكناً بدون سواعد أبناء المهمشين والمطحونين في ريف مصر وصعيده

قبيل الحرب، يقوم عمدة إحدى القرى في ريف مصر بالضغط على أحد الخفراء المتقاعدين من أجل ارسال ابنه بعد تزوير بياناته لأداء الخدمة العسكرية بدلاً من ابن العمدة ومنتحلاً صفة هذا الابن. يضطر ابن الخفير للقبول كي تحصل أسرته على المكافآت التي وعدهم بها العمدة، وكذلك رغبة منه في خدمة الوطن. يستشهد ابن الخفير في الحرب وتتكشف خيوط المؤامرة، ورغم علم الجميع بحقيقة الخدعة التي دبرها العمدة، والذي لم يفي بوعوده لأسرة الخفير، تتدخل جهات عليا لإجهاض التحقيق وإغلاق الملف بحجة عدم إفساد فرحة النصر وعدم زعزعة الاستقرار، وكأن مصر قد علقت في هذا المشهد العفن ولم يغير الزمن أي شيء

المشاهد تتعاقب وتنضح بملامح البؤس في ريف مصر، حيث يروي الفقراء قصص الظلم الواقع على كاهلهم، فهذا يعمل أجيراً ويتقاضى ملاليم قليلة لا تكفي لعلاجه، وذاك لا يستطيع التكفل بمصاريف دراسة ابنه المتفوق، وآخر يشكو من انعدام فرص الترقي أو المعيشة الكريمة. الناس أسرار- كما يقول أبطال الرواية

الرواية مشحونة بلحظات مؤلمة وتأملات لا تفقد وقعها مع مرور الوقت، وذلك لارتباطها بحالة إنسانية تبدو أزلية في مصر، هاكم بعض المقتطفات

كلنا نحب مصر. كل منا يحبها بطريقته الخاصة. ولكن أي مصر هذه التي نحبها؟ مصر الذين يموتون من الجوع أم مصر الذين يموتون من التخمة؟ 

من قال إن الحق له قيمة في مواجهة القوة؟ الحق بمفرده عاجز. بندقية توجه طلقاتها للخلف، إلى صدر الممسك بها. سيف خشبي مكسور. إن كان الله قد اختار صف الأغنياء وقرر أن يكون ربهم وحدهم، فما على الفقراء إلا أن يبحثوا عن رب لهم

ذلك أن عصر الحروب انتهى، وبدأ عصر الكلام. ولأن الكلمات تشتعل من بعضها البعض، فلن يعرف بر مصر سوى الكلمات. الصمت أجدى من كلمات تقال في عصر يعوم فيه الكل في بحار الكلمات

img_4929