المشهد الأندلسي في عصر الطوائف

كان وصول شاب أموي هارب ومطارد للأندلس في القرن الثامن الميلادي إيذاناً بتحول تاريخي هائل أفرز فصلاً مشرقاً وعصراً ذهبياً للحضارة الإسلامية في هذا الجزء من العالم، والذي صار نبراساً ومنارة للعلم والآداب لقرون عدة. لم يكن هذا الشاب يحلم بأن يعيد إرساء دعائم الدولة الأموية في الغرب بعد انقطاعها في الغرب على أيدي العباسيين، وأن يصير اسمه، عبد الرحمن الداخل، مرادفاً للنهضة والاستنارة والأخذ بالأسباب وتجاوز المصاعب من غربة ومكائد، وهو ما دفع بأعدائه لتلقيبه بصقر قريش.
تحولت الأندلس لاحقاً من إمارة إلى خلافة، وتألقت حواضر الأندلس متجاوزة نظيراتها في أوروبا، ومستحضرة رقي وزهو المشرق في دمشق وبغداد وغيرها من المدن، إلى أن تكاثفت السحب أو عوامل السقوط فحجبت شمس الأندلس ودبت الفوضى في عموم البلاد.
عقب انهيار الخلافة الأموية في الأندلس واندلاع الحرب الأهلية، شهدت الأندلس حالة من التشرذم السياسي والقبلي أفرز انقسام دولة الإسلام في القرن الحادي عشر الميلادي إلى نحو ثلاثين من الطوائف المتناحرة والمتنافسة فيما بينها، كثيراً ما تحالفت مع الممالك المسيحية في الشمال ضد طوائف إسلامية أخرى، الأمر الذي أدى إلى انفراط عقد الأندلس وتعاظم خطر حركة استرداد الأراضي التي شنها المسيحيون من أجل استرجاع مدن أسبانيا والبرتغال. برزت طوائف كثيرة في المشهد السياسي مثل بنو هود وبنو الأفطس وبنو عباد وغيرها من الطوائف إذ تمزقت أوصال الأندلس واستقل كل حاكم بولايته أو مدينته.

يمثل عصر الطوائف بالأندلس حالة تاريخية فريدة وجديرة بالبحث والدراسة، إذ أن التناحر السياسي والعسكري لم يمنع ظهور نهضة ثقافية وعلمية وعمرانية ما زالت بعض آثارها قائمة إلى الآن. ينتصب قصر الجعفرية أمام الزائر كقلعة أسطورية هبطت لتوها من السماء. القصر هو أهم أثر قائم من عصر الطوائف، ويحمل اسم أبو جعفر المقتدر، أحد حكام طائفة بنو هود في سرقسطة. الإبهار ذاته ينتظر الزائر في مدن أخرى مثل طليطلة حيث بقايا مسجد من عصر طائفة بنو ذي النون وغرناطة حيث بوابة إلبيرة من عمل طائفة بنو زيري ومالقة أو مالاجا حيث قصبة أو قلعة طائفة بنو حمود.
وإذ ننتقل من العمارة والعمران للفكر والآداب والفنون، فحدث ولا حرج، فقد أفرز عصر الطوائف بعض أهم العقول والمواهب من أمثال ابن حزم صاحب كتاب طوق الحمامة، والعاشقين ابن زيدون وولادة بنت المستكفي اللذين أثروا الأدب الأندلسي بشعرهم في الغزل، والشعراء ابن عمّار والسرقسطي وابن دراج القسطلي. وفي سياق موازي، كان العلم حاضراً وبقوة في عصر الطوائف ممثلاً في الفلكي النابغ الزرقالي وعالم الفلاحة ابن بصّال وعالم النبات ابن وافد.

يعزوا العديد من المؤرخين المشرقيين والغربيين ذاك المشهد الثقافي الغني على الرغم من المناخ السياسي الخانق لبعض العوامل منها تنافس الطوائف فيما بينها على ميراث قرطبة كعاصمة للعلم والثقافة رغبة منهم في لعب هذا الدور وإدراكاً لأهمية الآداب والفنون في إثراء الحياة الاجتماعية والثقافية. كذلك، فقد لعب بعض الحكام المستنيرين من أمثال الملك الشاعر المعتمد بن عباد صاحب أشبيلية دوراً هاماً في تشجيع واحتضان المواهب الفذة واستقطابها للبلاط.
وعلى الرغم من تلك الومضات، إلا أن الوضع في الأندلس لم يسمح لتلك الطوائف بالاستمرار طويلاً، وكان لسقوط لؤلؤة الأندلس طليطلة في أيدي المسيحيين في عام 1085 م دوياً هائلاً، إذ دب الفزع في نفوس الأندلسيين الذين ضجوا بحالة الوهن والانقسام، فقاموا بمراسلة دولة المرابطين في المغرب من أجل انقاذ الأندلس وتوحيدها من جديد. انضم العديد من الفقهاء في تلك الدعوة استهجاناً منهم لانصراف ملوك الطوائف عن واجب الجهاد وتفرغهم لحياة الدعة واللهو، وكان من بين أبرز الفقهاء المطالبين بتدخل المرابطين الفقيه أبو بكر الطرطوسي والذي توفي في مصر.
استجاب المرابطون البربر بقيادة يوسف بن تاشفين للنداء، فعبروا البحر وأوقفوا الزحف المسيحي في معركة الزلاقة، ثم استداروا لحل ممالك الطوائف ونفي بعض حكامها إلى المغرب. ضم المرابطون الأندلس لدولتهم، فانتهى عصر الطوائف وبدأ عصر جديد في الأندلس التي لم تنجح في استرداد بريقها مجدداً إلى أن سقطت بسقوط مملكة غرناطة في عام 1492 م. وإلى يومنا هذا يستخدم الأسبان مصطلح الطوائف للدلالة على أي فريق من الناس فشل في إحراز الاتفاق والوفاق، إلا أنهم أيضاً يقفون مشدوهين أمام عمائر الطوائف في أشبيلية وسرقسطة وألمرية وغيرها من المدن

DSC00316

الأندلس وتاريخ الشتات

 

شرفت خلال الأعوام الماضية بإلقاء العديد من المحاضرات حول تاريخ الأندلس في مكتبة الإسكندرية: الأندلسيون في الشرق، حكايات الأندلس، الأندلس كمعبر حضاري، إلخ. هذا العام سيكون لنا لقاء من جديد في مكتبة الإسكندرية في شهر أغسطس أو سبتمبر للحديث عن تفاصيل مذهلة حول الأندلس. أنصحكم باقتناء وقراءة كتابي “الأندلس تاريخ الشتات” الصادر عن دار الربيع العربي والمشارك في معرض الإسكندرية للكتاب استعداداً للقائنا القادم. إليكم عناوين بعض الفصول التي وردت في الكتاب:

صقر قريش، عاقل الأندلس، الإخوة الأعداء، زرياب عصفور من الشرق، القديس قاتل العرب، الزهراء وأخواتها، قصة مدينتين، ألفونسو الحكيم، زمردة الموحدين،  حلم ابن الأحمر، أرباب المثلثات، برتقالة ابن خلدون، سان كريستوبال، في تاريخ المدجنين والموريسكيين، رسول الأجراس، فتنة كتب الرصاص، الخراف ومحاكم التفتيش، ما لم يعرفه كولومبوس، تطوان ابنة غرناطة، في ضيافة الموريسكيين، قراصنة هورناتشوس، تمبكتو عاصمة السراب، أندلسيو حوض النيجر، وهران سيدي هواري، تلمسان وأشباح وهران، بربروس كابوس اللحية الحمراء، تستور حفرية أندلسية، عروس الفقراء، الإسكندرية عاصمة الذاكرة، في خطى وإرث المقام، الأندلسيون في الشرق.

17499012_1307501982672187_2788912854265697340_n

 

Lecture Review: Al-Andalus as a Civilizing Bridge

It is always an incredible feeling to lecture at the Bibliotheca Alexandrina where once, in its original version, students and scholars gathered around the likes of Euclid, Ptolemy and Hypatia! Am I not, after all, a distant heir to their legacy?

“An orchard is a treasure if the gardener is a moor.” – Spanish Proverb

This phrase is a proper metaphor of the civilizing effect that the Muslim presence had on the Iberian Peninsula and beyond after they had conquered that part of the world in the VIII century, referring to it ever after as ‘al-Andalus’.

More than just a geographical denomination, al-Andalus eventually became synonymous with an extraordinary human condition, as people from different cultures and creeds came to forge a golden age whose zeitgeist was the coexistence and whose epitome was the Library of Cordoba.

From the introduction of new crops and irrigation techniques to the establishment of libraries, universities and observatories, one can hardly perceive the scale and scope of the unparalleled body of knowledge developed and bequeathed to us by generation after generation of Andalusi philosophers, mathematicians, physicians, botanists, astronomers, poets, and the list goes on. The names include Al-Majriti, Ibn Rushd (Averroes), al-Zarqali (Arzachel), al-Zahrawi (Albucasis), Ibn Zuhr, Ibn al-Baitar, Ibn Ammar, and countless other figures. It was in al-Andalus that Ziryab founded the first proper musical institute in Western Europe, the Umayyads founded Europe’s first paper mill in Xativa and its first silk workshop in Almeria, while Cordoba’s Library became the world’s second largest under the enlightened rule of al-Hakam II in the tenth century (second only to the House of Wisdom in Baghdad).

The cultural imprint of al-Andalus can still be seen today, not only in the Iberian Peninsula and the Maghreb, but also in some of the most unexpected parts of the world, like Latin America (where the Islamic mudejar style was introduced by the Spanish invaders) and Basin of the River Niger (which hosts one of the biggest collections of Andalusi manuscripts in the whole world).

Poster

Mediterranean Art Presentation (10 June 2014) – Teaser

Next week, I will be giving a presentation on Mediterranean Art at my university, the Universitat Internacional de Catalunya (UIC). The presentation is centered on seven tales and seven masterpieces from Prehistory, Ancient Civilizations and Classical Antiquity, namely:

1. Michelangelo of the Cave (Magdalenian Culture, France & Spain)
Cave Paintings of Lascaux & Altamira

2. The Stone Idol (Saflieni Phase, Malta)
The Sleeping Lady of Malta

3. Beyond the Minotaur’s Labyrinth (Minoan, Greece)
The Bull-Leaping Frieze

4. Tragedy of the Horse-Tamers (Mycenaean, Greece)
The Mask of Agamemnon

5. Mystery of the Heretic King (Pharaonic, Egypt)
The Bust of Nefertiti

6. The Seafaring Purple Traders (Phoenician, Lebanon)
Ivory Panel with Lioness devouring African Boy

7. Till Death Do Us Apart (Etruscan, Italy)
Sarcophagus of the Spouses

Below are some questions to help you ‘warm up’ for the presentation:

– Which European cave is known as the Sistine Chapel of Prehistory? Why?
 – How did a queen & 80 women lay the foundation for Carthage?
 – Who were the Purple Traders that sailed the Mediterranean & founded Cádiz?
 – Who was Ancient Egypt’s Heretic King?
 – What Med. culture erected the world’s oldest freestanding stone structures?
 – Who were the Mediterranean Vikings?
 – Who were the Etruscans? Where did they originally come from?
 – Who were the Hippodamoi that were conquered by a horse?
 – How did the Trojan War start with Paris?
 – When and why did the Classical Antiquity come to an end?

Poster

My Lecture in Bibliotheca Alexandrina: Tales of al-Andalus (2 Jan 2014)

(Scroll down for Arabic)
I am pleased to announce that I will be giving a lecture at Bibliotheca Alexandrina (Egypt) on 2 January 2014, titled ‘Tales of al-Andalus’ (2 hours, in Arabic). Through these tales, I will try to trace distance memories and present an alternative history of one of history’s most fascinating periods. The lecture starts at 18:00h and the tales are:

Bird of the Orient
Saint Matamoros
Between two ‘Hakams’
The Majus Crisis
A Manuscript’s Odyssey
From Yusufiya to Nasiriya
Ibn Khaldun’s Orange
The Hornachos Pirates

محاضرتي في مكتبة الاسكندرية: حكايات الأندلس (2 يناير 2014)
يسعدني أن أعلن عن قيامي بالقاء محاضرة في مكتبة الاسكندرية في 2 يناير 2014 بعنوان “حكايات الأندلس” (ساعتين، باللغة العربية). سأحاول من خلال تلك الحكايات أن أستحضر ذكريات بعيدة وأن أقدم تاريخ غير تقليدي لواحدة من أروع فترات التاريخ. تبدأ المحاضرة في تمام الساعة السادسة مساءاً، والحكايات هي:

عصفور من الشرق
القديس قاتل العرب
بين الحَكَمَين
محنة المجوس
رحلة مخطوط
من اليوسفية إلى الناصرية
برتقالة ابن خلدون
قراصنة هورناتشوس

Poster

The delusional calls to ‘recover’ al-Andalus

Following the Muslim conquest of the Iberian Peninsula (which they would call al-Andalus) in 711 AD, the Andalusi society eventually featured a very interesting ethnic and cultural mosaic. Then came the Reconquista, the Christian armies started gaining back territory slowly but surely, and the social mosaic became even more sophisticated. A couple of days ago, while lecturing on al-Andalus at Bibliotheca Alexandrina, I explained some interesting ‘elements’ of the Andalusi society:
1- Muwallads (muladíes مولدون)
These were the sons and daughters of Muslim conquerors and native Christian women. The term also extended to describe natives who converted from Christianity to Islam.
2- Mozarabs (mozárabes مستعربون)
These native Christians maintained their religion under Muslim rule, but adopted many elements or the Arab culture and language.
Later on, two more elements would come into play:
3- Mudajjan (mudéjar مدجنون)
As the Christian armies took back several cities, several Muslim communities chose to stay and live under Christian rule, maintaining their religion.
4- Moriscos (moriscos موريسكيون)
Following the surrender of Granada and the introduction of the Inquisition courts, scores of Muslims had to convert to Christianity, becoming new Christians of Moorish origin, better known as moriscos. They were finally expulsed from Spain (some 300,000 moriscos) between 1609 and 1614 under Felipe III following a tragedy that extended for over one century. The Jews were forced to leave much earlier (Sephardim), and also scores of them had to convert.

Obviously, from the Arab-Islamic viewpoint, al-Andalus was ‘lost’, while from the Western standpoint, it was ‘liberated’. Such is the case with history always: it can never be read in a unilateral way or a linear form, or based on a single discourse.

Calls among some Arabs to ‘recover’ al-Andalus are more than just absurd: they are delusional! For one thing, al-Andalus no more exists; because it is a historical concept and should always be treated as such. It was occupied by the Arabs and Berbers, but was never their homeland or their native territory. Moreover, calls to ‘recover’ territory just because, hundreds of years ago, it was under Islamic rule, is closer to intellectual terrorism than it is to rational thinking that would foster intercultural dialogue. With all the Islamic and Arab countries around the world that are lagging behind culturally and scientifically, wouldn’t it be a better idea to start with themselves and alleviate the suffering of their own people than ‘yearn’ for a land that their modern feet never stepped?

I yearn for al-Andalus myself, not the land but rather the state-of-mid, not the territory but rather the cultural renaissance, not the traditional geography but rather the moral one… and I will end it here.

Boabdil handing the keys of the Alhambra to the Catholic Monarchs

My lecture on al-Andalus @ Bibliotheca Alexandrina (Jan 2nd)

On 2 January 1492, the last Muslim ruler of Granada, king Boabdil (Abu Abdalla al-Saghir), handed the keys of the Alhambra to the Catholic Monarchs, bringing to an end the rule of Islam in al-Andalus in the present-day Iberian Peninsula.

What followed was a tragedy at all levels and it took the Catholic Monarchs no time at all to violate the vows they had made. The first to suffer were the Jews, then the Muslims, and even those that converted into Christianity did not survive the horrors of the Inquisition Courts. The definitive expulsion of the Moriscos (Muslims that had converted into Christianity) came in 1609 through a royal decree by Felipe III. Over 300,000 moriscos were kicked out, and this marked the beginning of a new episode of pain and passion: the moriscos diaspora in the Mediterranean.

On 2 January 2013, I will be giving a lecture titled ‘The Fall of al-Andalus: Reasons and Consequences’ at the Bibliotheca Alexandrina. This is an open invitation. ANDALUS - Copy